سهيلة عبد الباعث الترجمان

452

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

اختلفت أحوال رجال اللّه في صحوهم باللّه ، أما الصاحي بنفسه فإنه لا يرى إلّا أشكاله وأمثاله ويقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 1 » . وقد دفع قول ابن عربي هذا ، أحد المستشرقين الفرنسيين إلى التمييز بين مفهوم وحدة الوجود لدى ابن عربي ومفهومها بالمعنى الحديث لدى الغربيين ومدى مغايرتها لها ، فمذهب ابن عربي كما يراه يختلف في مفهومه عن وحدة الوجود الحديثة ، ويسمّى باسم آخر هو وحدة الشهود ومعناه المذهب القائل بشهود الأشياء في اللّه ، وشهود اللّه في الأشياء وشموله لها ، ويقارنها بوحدة الشهود لدى ابن الفارض ، فيرى أنهما متفقان في الأخذ بوحدة الشهود التي تختلف عن وحدة الوجود . ويرى بعضهم أنه إن صحت هذه الملاحظة بالقياس إلى ابن عربي فإن مذهب ابن الفارض هو في حقيقته شهودي ويدور حول فكرة تجلي اللّه في مظاهر الكون وشهود السالك للذات الإلهية شهودا يرى فيه كل شيء على أنه عدم في ذاته بالقياس إلى " الوجود الحق " أي وجود اللّه « 2 » . ورغم اشتراك الاثنين في المذهب الشهودي ، يتحدث ابن عربي عن الذوق والوجدان وما ينكشف للسالك فيهما من شهود الوحدة وتجلى الرب للعبد . كما نرى أن الاتفاق بين مذهب ابن الفارض وعبد الغني النابلسي قائم من حيث أخذهما بوحدة الشهود التي تختلف عن وحدة الوجود « 3 » . وينفي عنه آخرون قوله بوحدة الوجود ، إذ يرون فيه كأي صوفي آخر صاحب ذوق وحال وفناء يرى هذا الاتحاد الذي يشهده السالك بين نفسه وبين الذات الإلهية حين تصفو النفس وتخلص من كل شوائبها ، وتبلغ من الروحانية هذه الدرجة التي تمكنها من شهود ذلك الاتحاد ، ولهذا فهو إذن ليس من أصحاب وحدة الوجود بل وحدة شهود . والواقع أنه من خلال آرائه وأفكاره لا يمكننا أن ننفي عنه قوله بوحدة الوجود ، إذ هي حقيقة واقعة دائمة سواء أدركها الإنسان أم لم يدركها ، وأن التعدد في الوجود أمر تقضي به الحواس الظاهرة والعقل القاصر عن إدراك الوحدة الذاتية بين اللّه والكون على ما هي عليه في الواقع ، فوجود الحق في مذهبه هو عين وجود الخلق لا

--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية : 11 ك . ( 2 ) حلمي ( محمد مصطفى ) ، ابن الفارض والحب الإلهي ، مرجع سابق ، ص 303 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 303 .